علي بن مهدي الطبري المامطيري

104

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

قوله : « تصبيحهم » يعني غداءهم ، و ( الغمص ) و ( الرمص ) واحد ، وهو الذي يكون في العين . فبلغ من حماية أبي طالب لمحمّد ص ووقايته أنّه عزم للخروج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا ، فلمّا هيّأ الرحيل وأجمع على السير رقّ له ، فقال : واللّه لأخرجنّ به معي ، ولا أفارقه أبدا « 1 » ، فخرج به مع نفسه وهو يومئذ له تسع سنين . فلمّا نزل الركب مدينة يقال لها : بصرى من أرض الشام ، وبها راهب يقال له : بحيرى ، وكان ذا علم بدينه ، ولم يزل الركب يمرّون به ، فلا يكلّمهم ولا يعرض لهم ، فعرض في هذه الكرّة لهم ، وصنع طعاما كثيرا [ وذلك أنّه رأى رسول اللّه ص ] « 2 » - وهو في صومعته - في غمامة تظلّه ، فلمّا رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ، وصنع لهم طعاما واتّخذه ، ثمّ قال لهم : إنّي قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فأنا أحبّ أن تحضروه ، فقال له رجل منهم : واللّه يا بحيرى ، إنّ لك لشأنا اليوم ، وما كنت تصنع هذا قديما وقد كنّا نمرّ بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ ! فقال له بحيرى : صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنّكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم ، وأصنع لكم طعاما تأكلونه ، وكلّمهم فأجابوه ، واجتمعوا إليه . وتخلّف رسول اللّه من بين القوم لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلمّا

--> ( 1 ) . مناقب آل أبي طالب 1 : 36 ، والعدد القوية : 129 . ولأبي طالب - رفع اللّه مقامه - قصيدة رنّانة غرّاء في هذا المعنى ، رواها ابن إسحاق ، ورواها ابن عساكر بسنده عن ابن إسحاق في الحديث ( 11 ) من ترجمة أبي طالب من تاريخ دمشق 66 : 21 ، ط دار الفكر ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا أبو الحسين بن النقّور ، أنبأنا أبو طاهر المخلص ، أنبأنا رضوان بن أحمد ، أنبأنا أحمد بن عبد الجبّار ، أنبأنا يونس بن بكير عن محمّد بن إسحاق ، قال : وقال أبو طالب - يعني حين توجّه إلى بصرى - : بكى طربا لمّا رآنا محمّد * كأن لا يراني راجعا لمعاد ( 2 ) . بين المعقوفتين إضافة من تاريخ الطبري ، وهي إضافة يقتضيها السياق ، وفي الأصل « كثير الشرارة » ولعلّها ( كثير الشّرار ) ، والشّرار : صفائح بيض يجفّف عليها الجبن . راجع لسان العرب ، مادّة : « شرر وكرص » .